سلايد 1

«عائد إلى حيفا».. صرخة من تخوم الذاكرة الفلسطينية

«عائد إلى حيفا»، تلك الرواية التي كتبها الأديب غسان كنفاني، وصدرت طبعتها الأولى عام 1969، تمثل ذروة أدب المقاومة الفلسطينية على مستوى الرواية، هي ضمن تلك الكتابات التي شكلت عوالم إبداعية أطلق عليها اسم وصفة «أدب ما بعد النكبة»، وهل يوجد بعد النكبة غير المقاومة؟، هي إذاً المقاومة الإبداعية التي سطرت ملاحم عظيمة وسير يخلدها سفر التاريخ المقاوم، والتي اندرج فيها كتاب وشعراء بحجم محمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، ومعين بسيسو، وغيرهم من أدباء أعادوا ترتيب الأشياء هربا من وضعية الحيرة «النكبة»، إلى لحظة خلّاقة مبدعة «المقاومة».
في رواية «عائد إلى حيفا»، تتشكل اللغة وتصنع انزياحاتها الخاصة، فتصنع صوراً ومشاهد عصية على الالتقاط إلا لأمثال كنفاني الذي يدخل الوطن كله داخل الرواية، كما يدخله ناجي العلي في رسمة أو مشهد كاريكاتيري، أو كما يدخله درويش في نص شعري صاخب يضج بالهدوء، ولكن ما الوطن؟ السؤال الكبير يجيب عنه النص المتمرد المتسائل لكنفاني: «ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة. أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟ شجرة البلوط؟ الشرفة؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن؟ بالنسبة لبدر اللبدة، ما هو الوطن؟ أهو صورة آية معلقة على الجدار؟ إنني أسأل فقط».
يصنع كنفاني من روايته ومجمل كتاباته فيما يعرف بأدب ما بعد النكبة «شبحاً يجول»، لكن ما هو الشبح؟ إن الشبح امتنع أن يكون مجرد حضور باهت منذ أن كساه شكسبير جسداً مقاوماً وروحاً متمردة تبحث عن الانتقام في «هاملت»، ومذ أن أطلقه الفيلسوف الألماني ماركس في بيانه الشهير الذي يبدأ ب«هنالك شبح يجول»، يتجول حراً طليقاً يبحث عن الأعداء ليمارس فعل تصحيح مسار التاريخ، هذا هو الشبح الذي أطلقه كنفاني في أدبه، ذلك الشبح الرافض لحالة النكبة والمستكشف لاتجاهات ما بعدها، بحثاً عن طريق للخلاص، وتشكيلاً للمقابل الموضوعي لمسمى النكبة وهي لحظة «المقاومة».
في فضاءات تلك الرواية المشبعة بالحنين والمتسلحة بالكلمات المحتجة، والرؤى الخلاصية، نقف في تفاصيلها السردية أمام مأساة أسرة من حيفا، تأثرت بالاجتياح «الإسرائيلي» في عام 1948م فتشتت، خرج الأب بصحبة زوجته مخلفين طفلاً رضيعاً «خالد»، يتربى داخل «إسرائيل» في معية أسرة جديدة، ثم يعود الوالدان في ظروف جديدة، ليجري حوار مؤلم وقاسٍ بين الأب والابن الذي تربى هناك حتى بلغ العشرين، والرواية بما تحمله من رمزيات ودلالات وتجسيد فلسفي، تجعل من ذلك الحوار بين الأب وابنه، حواراً بين أجيال، هو اللقاء المستحيل والصعب، هو حوار فلسطين، فلسطين الجرح، القضية والمأساة، ثم فلسطين المقاومة بعد الصدمة الأولى، أو لحظة الوجوم الأولى. فسعيد «بطل الرواية»، كان يمثل ذلك الجيل الذي هجر من أراضيه، وتلك اللحظة التي أرغم فيها أبناء فلسطين على الخروج، ولحظة الذاكرة الفلسطينية التي احتفظت بكل شيء، ووثقت لكل الخراب، جاء هذا الجيل في لحظة أخرى ليعانق جيلاً بقي في حضن المحتل، تربى هناك وتعلم في مدارسه وجامعاته، وبعضهم التحق بجيش العدو، لتضعنا الرواية أمام لحظتين فارقتين في التاريخ الفلسطيني، عبر حوار جيلين مختلفين، لكنهما يلتقيان في فلسطين ويشكلان معاً المشهد الفلسطيني بكل شجنه ودموعه ومأساته المتمثلة في نكبته في ذاك الوقت.
تمهد الرواية للحظة قادمة تقطع مع سيرة عشرين عاماً من النكبة، من خلال مأساة الأب والابن: «عشرون سنة ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا. أيوجد سبب أكثر قوة؟ عاجزون! عاجزون! مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون الدموع، لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.. ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي.. أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول؟».
تستنهض عوالم كنفاني كل شيء، وتحاكم التاريخ والأرض والبشر، تلك القسوة المشهدية في نصوصه السردية، هي اللحظة التي شكلت فوقة من غيبوبة الاستسلام لفكرة النكبة إلى ما بعد النكبة ولحظة المقاومة، ولأن «العودة» هي فعل الإنسان، وحيفا إشارة إلى المكان، فإن الرواية هي سرد تلك العلاقة بين الإنسان والمكان، هي تحليق في عوالم ذات خصوصية وحميمية، حيث مفاهيم «المصير» و«الأرض» و«الانتماء»، و«الهوية»، و«الكيان، و«التاريخ»، و«العودة»، و«الحرية»، وأخيراً «القضية»، حيث تلك الدلالات التي تغذي المقاومة، وتغذي في ذات الوقت الأدب المقاوم، لتستمر جذوته في القلوب، وتبقى فلسطين مغالطة لكل الإرادات التي تسعى أن تمحوها من الخريطة والوجود.
تلك الرواية التي كتبها كنفاني، مثلت بما تحمله من تكثيف وإشارات ودلالات ومعانٍ، وحكايات موازية داخل النص، ملحمة فلسطينية عربية حافلة بالمأساة، صورت من خلال المشاهد والشخوص تلك اللحظات القاسية التي عاشها الشعب الفلسطيني، وقادت إلى شتاته، والتهجير القسري، قِصَة أجيال وحكاية شعب وأُمَة، غير أنها المأساة السردية التي حملت جنين الوعي وبشرت بالمقاومة، فتناسلت أشباح كنفاني التي أطلقها، لتكون أدب ما بعد النكبة، فكانت موجة من الروايات والإبداع المقاوم، لقد كانت بمثابة صرخة من تخوم الرماد الملتهب والذاكرة المسلوبة، ورغم مرور كل تلك السنوات على صدورها، أكثر من أربعين عاماً، ما زالت «عائد إلى حيفا»، تلهم الكتاب والمبدعين والأدباء في فلسطين وبلاد العرب، كشأن كل الملاحم الخالدة، فقد تحولت إلى أعمال سينمائية، واستلهمها الشعراء في قصائدهم المقاومة.
جاءت الرواية لتشير إلى عبقرية كنفاني، الذي كشف من خلال النص عن ذكاء كبير ومقدرة إبداعية خلقت حالة ومنعطفاً جديداً في الأدب الفلسطيني، من خلال هذه الملحمة التي لا تدانيها قوة ومشهدية إلا استشهاد كنفاني نفسه.

الخليج

إغلاق