
الماس من المعادن القديمة جداً في تاريخ الأرض، فعمره يتجاوز 4.25 مليار سنة، أي أنه تشكل بعد 300 مليون سنة من ولادة الأرض. وفي العام 2008 تم اكتشاف ماس قديم جداً في منطقة جاك هيلز بأستراليا، ولا يزال هذا الماس يحطم الرقم القياسي في القدم، ويواصل الجيولوجيون تجاربهم لانطلاق هذه الأحجار الكريمة كي تروي لنا القصة البدائية لكوكبنا، وبفضلها أيضاً، نكتشف أن الأرض الأولى قد بردت بسرعة، كما أظهرت التحليلات أن الماس ولد في قشرة مماثلة لتلك التي تتوارى تحت أقدامنا اليوم، في وجود الماء، أي المحيطات. ولا يزال علينا أن نفهم إذا كانت الصفائح التكتونية موجودة بالفعل، وهذا ما يجري التأكد منه عن طريق التحليلات الجارية بالفعل، والماس هو بلورات مكونة من ذرات الكربون التي تتشكل فقط في ظروف من الضغوط العالية جداً التي تزيد على الضغط الجوي ب50 ألف مرة، ودرجات الحرارة تصل إلى 1000 درجة مئوية، هذه الظروف لا يمكن العثور عليها إلا على عمق يزيد على 150 كم، ويصعد الماس عبر الثورات العنيفة جداً حيث تصل سرعة الصهارة إلى نحو 2000 كم/ ساعة لدى الاقتراب من السطح.
اكتشاف تسع من الماس في جنوب إفريقيا يمثل إشكالية لدى العلماء، حيث يرى هؤلاء أنها حديثة جداً من الناحية الجيولوجية. فكيف وصلت إلى هنا؟
قد يكون هناك الكثير من الماس تحت أقدامنا، كما تقول الجيولوجية هيلين بيرو، الباحثة في معهد علم المعادن وفيزياء المواد وكيمياء الكون في باريس، لكن هذه الماسات التسع التي اكتشفت في منجم في جنوب إفريقيا توقظنا من سباتنا لأنها حديثة جداً، ولا ينبغي أن تكون قد تشكلت في هذا المكان وهذا هو الأمر الاستثنائي كما ترى الباحثة بيرو، لأن هذه الأحجار الكريمة الأبدية هي المنفذ الوحيد إلى أحشاء الأرض وهي فقط القادرة على عبور مئات الكيلومترات من مكان ولادتها، حيث إن الضغط ودرجة الحرارة مرتفعان بما يكفي لإجبار ذرات الكربون على اتخاذ هذا التكوين البلوري فائق الترابط، ويصل إلى السطح. علاوة على ذلك فإن هذه البلورات الثمينة قادرة على مقاومة البلى على مدى مليارات السنوات، حتى لو تعرضت لظروف التآكل، وقادرة على الحفاظ على عينات صغيرة من الظروف التي ولدت فيها، ومن المعروف أن الشبكة البلورية للماس عادة ما تكون خالية من أدنى أثر لعنصر مشع، ولا تبقي على ذاكرة ولادتها ولكنها تحتوي، كما يرى البعض على شوائب الهارزبورتيك (نوع من البيريدوتيت أي الزبرجد)، وهي حبيبات صغيرة من المعادن التي لا يزيد وزنها على بضعة ميكروغرامات والتي تبقى محاصرة في الكربون وقت ولادة الماس، وبفضل هذه الشوائب، ظلت هذه الحبيبات محمية من أي تلوث خارجي، كما بقيت بعيدة عن أي تطور كيميائي. ولذا فهي الشاهدة على البيئة الفيزيائية والكيميائية التي تشكل فيها هذا الحجر الكريم من الضغط، ودرجة الحرارة، والتركيب الكيميائي، والزمن، ومن خلال هذا المعدن وهذه الشوائب يمكننا أن نستنتج تكوين وشاح الأرض، وتتبع الحركات التكتونية الكبيرة، والأحداث الكبرى الماجماتية، والتأكيد على صحة النماذج التي تصف الأرض العميقة، ومحاولة تمثيل شكل كوكبنا خلال مئات الملايين الأولى من السنوات التي تلت ولادتها، أي قبل 4.5 مليار سنة، خاصة أن هذه الصخور هي الأكثر شيوعاً في وشاح الأرض، وشهدت درجات حرارة قصوى وخضعت لمقادير كبيرة جداً من الذوبان.
الوشاح الأرضي
يلخص كل من جورج هارلو وروندي ديفيز، وهما متخصصان في هذا الموضوع في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك، الأمر بالقول: الماس هو بمثابة بعثاتنا الفضائية إلى داخلية الأرض، ولذا فإنه من أجل إعادة بناء قصة إحدى أقدم القطع في قشرة الأرض، وفي منطقة تقع في أقصى جنوب إفريقيا ويعود تاريخها إلى 2.5 مليار سنة على الأقل، وقعت جين كورنيف، وجاريث ديفيز وفريقهم من جامعة أمستردام اتفاقاً قبل عشر سنوات، مع شركات التنقيب عن الماس (ديبيرز وديبسوانا). وتقول جاريث ديفيز: كانت الفكرة أن نفهم كيف تشكل الوشاح الأرضي الواقع تحت هذه الأجزاء القديمة من القارة، وكيف تطور، وما هي العمليات التي أدت في نهاية المطاف إلى تشكيل الماس الذي يتم استخراجه الآن من مناجم هذه المنطقة.
لقد أجريت دراسات سابقة على مئات من قطع هذا الحجر الكريم التي أظهرت أن ماس هذه المنطقة يعود إلى ملياري سنة، ولكن جين كورنيف وجاريث ديفيز كانت لديهما شكوك حول هذا الأمر، ولذا اختار الباحثان التركيز على عينة صغيرة، ووضع تأريخ لها خاص بكل منهما. وتقول الباحثة: الأساليب التحليلية التي اتبعها كل منا تطورت بشكل أكثر دقة حيث سمحت لنا بتحليل هذه الشوائب بشكل فردي. ومن حسن الحظ وجد هذان الجيولوجيان في العينة مجموعتين جمهرتين متباينتين من الشوائب، فالأغلبية العظمى من ال26 ماسة التي تم تحليلها أرجعت إلى العصر الكلاسيكي، أي 3 مليارات سنة، ولكن الماسات التسع منها تتميز بتكوين آخر: فهي أكثر فقراً في معدن الكالسيوم، والكربون 13، ويعود تاريخها حسب النظائر المشعة لعنصري السماريوم Sm والنيوديميوم Nd إلى 1.1 مليار سنة فقط.
ذوبان كبير
ويقول جاريث ديفيس: من المستغرب أن هذه الماسات التسع تعود لما يزيد قليلا على مليار سنة، أي إلى حدث بركاني عملاق حدث في أومكوندو في جنوب زيمبابوي، قبل 1.1 مليار سنة. ويضيف ديفيس: كان التفكير التقليدي هو أن مستوى الذوبان اللازم لتكوين هذا الماس حدث فقط في وقت مبكر من تاريخ الأرض، عندما كانت أكثر سخونة، لكن تبين أن هذا ليس هو الحال، وأن بعض ماس الهارزبورتيتيك أصغر عمراً بكثير مما كان مفترضاً. ونحن نرى أن المجموعة الأصغر سناً من الماس تشكلت في بيئة خاصة، حيث تم رفع عمود كبير من الوشاح العميق نحو السطح، وخضع لذوبان كبير مع انخفاض الضغط، وتقول جاريث ديفيز: هذا الأمر يطرح تساؤلات حول التحليلات التي أجريت في الماضي. فإذا كان هذا الماس حديث التكوين نسبياً قد توارى في هذه المنطقة، ألا يوجد ماس آخر هنا وهناك في أنحاء العالم؟ الواقع أنه من خلال تأريخ الماس في مجموعات، قد يكون الجيولوجيون قد فقدوا جزءاً كبيراً من تاريخ الأرض الجيولوجي، حيث تقول هيلين بوريو: «علينا أن نعيد النظر في التأريخ من جديد، فقد يكون الكثير من الماس الذي تم العثور عليه حتى الآن أصغر عمراً مما نعتقد».
من جهة أخرى، قد تكون عمليات صعود الصهارة في جميع أنحاء العالم، أكثر عنفاً مما كان يتصور. وقد تكون هناك أنواع جديدة من هذه الودائع متوارية كذلك في جميع أنحاء العالم. من هذا المنطلق، سيدرس الباحثان جاين كورنيف، وجاريث دافيز، من الآن فصاعداً ماساً آخر في جنوب إفريقيا، وفي أماكن أخرى. ويقول جاريث ديفيز: يمكننا أن نتوقع أن نعثر على ماس مماثل في غرب إفريقيا (في أنجولا وسيراليون وكوت ديفوار)، ولكن أيضاً في البرازيل. ولا يمكن للمرء أن يمنع نفسه من الحلم بهذه الأنهار
الماسية التي لم تكن موضع شك حتى الآن والتي تتدفق بالقرب منا.. وتحت أقدامنا.
الخليج